روائع مختارة | قطوف إيمانية | أخلاق وآداب | سيارة الترحيلات...قصة واقعية

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > قطوف إيمانية > أخلاق وآداب > سيارة الترحيلات...قصة واقعية


  سيارة الترحيلات...قصة واقعية
     عدد مرات المشاهدة: 733        عدد مرات الإرسال: 0

كان يرجف بعد أن نام وأنا أحتضنه، كانت دموعه قد توقفت أما نشيجه فلم يتوقف بعد.. أخذت أربت على ظهره، وأمرر يدي في خصلات شعره الناعم، لم أكن أريده أن ينام وهو يبكي، حاولت كثيرا أن أهديء من روعه حتى لا ينام والدموع في عينيه، ولكنني فشلت..

نام ومسحت بكفي آخر دموعه المنسدلة على وجهه الصغير، لكن ماذا أفعل يا ربي؟! ماذا أفعل مع هذا النشيج المكتوم الذي لا يتوقف؟!

كيف لطفل لم يتجاوز السابعة أن يدرك حقيقة ماحدث؟ كيف يتصور عقله الصغير البريء وجود شر في الأرض على هذا النحو الرهيب؟

كيف أفهمه ما حدث لوالده الحنون الذي كان يهرع إليه بمجرد أن يسمع صوت المفتاح يدور في الباب فيحتضنه ويخرج له قطعة الحلوى وهو يشير له بها بطريقته الخاصة فيتعلق أكثر في عنقه وهو يمطره بالقبلات وتمتزج ضحكاتهما معا، تلك الضحكات التي ترن الآن في أذني كصدى بعيد..آه أين ذهبت هذه الأيام الجميلة؟

إنتبهت لنفسي وأنا أتنهد بعمق، فإسرعت أتلمس قلبي الذي كاد يشرد ورفعت وجهي وأنا أقول: الحمد لله على كل حال.

قمت توضأت وصليت العشاء وجلست على سجادتي، لم أستطع منع الدموع الحارقة من الإنهمار حتى إنني لم أعد أرى أمامي.

صوت ابني وهو يجري خلف سيارة الترحيلات يدق في أذني:

أبي.. أبي.. رد علي يا أبي..

أبي.. أبي رد علي يا أبي..

أبي.. أبي انظر لي..

أبي.. أبي..

كنت وقتها واقفة أمام البوابة الأمامية للسجن منذ ساعات الصباح الباكر في إنتظار السماح لنا بزيارة زوجي خطيب المسجد الذي تم إعتقاله منذ نحو أسبوعين.

كانت أشعة الشمس حارقة منذ الصباح الباكر، ولم يكن ثمة مكان نستظل به من حرارتها، ولكن الأمل والشوق كانا بمثابة المظلة التي نحتمي بها.

بين الفينة والأخرى يخرج أحد الجنود ويقول ستدخلون بعد قليل.. كانت الساعات تمر والشمس تزداد إشتعالا.. كانت شمس أغسطس هذا العام تكشر عن أنيابها أو لعلها نفحات جهنم تعرب بها عن زمجرتها ورغبتها أن تلتقم بها فرعون وجنوده.

كنت أغطي الصغير بطرف خماري حتى لايصاب بضربة شمس، ولكن طفولته أبت عليه الصمت والسكون، فأخذ يتحرك هنا وهناك ويجري مع أولاد آخرين تحمل ملامحمهم الأمل والألم نفسه، تركته يلعب في هذا الجو الحار حتى يخفف عن نفسه قليلا خاصة أنه بدأ يتذمر ويشكو.. تركته يلعب وأنا أتحسس طعامي الذي قضيت ليلة كاملة أطهيه وأنسقه وأنا أشعر به يفسد جراء هذه الحرارة ولكن ما حدث بعد ذلك كان بمثابة صدمة قاسية بالنسبة لي ومروعة لطفلي.

فأثناء جري الأطفال داروا حول السجن.. وهناك وعند البوابة الخلفية من السجن.. كانت واقفة هناك.. سيارة الترحيلات الرهيبة المدججة بالجنود حيث سيتم نقل المعتقلين لسجن آخر بينما نحن ننتظر الزيارة..

لمح ابني والده وهم يدفعونه داخل السيارة ثم يغلقون الباب وتنطلق السيارة فما كان منه إلا أن جرى ورائها وهو يهتف بإسم والده الحبيب، وعندما إنتبهت لصوت إبني جريت نحو مصدر الصوت فإذا به نائم على الأرض ووجهه في التراب يدق بقدميه في الأرض وهو يبكي بتشنج ويشير بيديه للبعيد ويقول أبي كان هنا لكنه لم يرد على ولم ينظر لي.

كان طفلي مصابا بما يشبه الصدمة.. لا أدري حقية كيف حملته ولا كيف جرجرت أقدامي وصعدت السلم، كل ما أذكره أن الأرض كانت تدور بي وأنا جالسة على أريكتي وأحتضن طفلي الذي لا يريد أن يتوقف عن البكاء وطلب والده..

لم أنتبه إلا على صوت أذان العصر، فكأنما نداء المؤذن الله أكبر قد نزل بردا وسلاما على قلبي، أخذت إبني توضأنا معا وصلينا وجلست أحدثه عن والده البطل وأحدثه عن الإبتلاء.. حدثته عن النبيين والصديقين والشهداء.. بعد المغرب وافق أن يأكل شيئا، فتحت حقيبة الطعام كانت رائحتها لا تطاق إستغفرت وإسترجعت وأحضرت شطيرة وكوبا من العصير الذي يحبه ابني كان يشرب ببطء وعيناه ذابلتان.

عادت دموعه للظهور مرة أخرى ولكنها كانت دموع صامتة تنحدر بحزن كأن صاحبها يمتلك خبرة سنوات طويلة في هذه الحياة.

وضع الصغير رأسه على وشمله النعاس.. كفكفت دمعي كي أمسح آخر دموعه ولكن صوت نشيجه لم يتوقف بعد.

الكاتب: فاطمة عبد الرءوف.

المصدر: موقع رسالة المرأة.